الشيخ علي الكوراني العاملي

51

الولادات الثلاث ( ط 2 - 1440 ه - )

فأفعالنا الإرادية لاتنحصرفيما قمنا به بدنياً ، بل هي كل مخزون أنفسنا وأرواحنا من النوايا التي بلغت مرحلة الصلاحية للتجسد في عمل ، وهي مثل كرة الثلج في الماء ، لم يظهر منها في أفعالنا البدنية إلا القليل القليل ! فالفعل كل الفعل في داخل أنفسنا ، وهو عمل إرادي يسمى النية ، وهي تبدأ بخطور ذهني وتصورات ، ثم يصل إلى حد العزم والقرار الجازم ، فتأمر النفس الدماغ فيصدر أمره إلى البدن بالفعل ، ويكون الفعل البدني على شاكلة الفعل النفسي أو الروحي . أما الخطورات والتصورات التي لم تبلغ درجة النية المحرِّكة ، فلا تعتبر عملاً ولا تدخل في قوله عز وجل : وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ . ( البقرة : 284 ) . ونلفت إلى كلمة : شَاكِلَتِهِ ، في قوله تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً . وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلاً . ( الإسراء : 83 - 85 ) . وقد تتبعتها عند المفسرين والفقهاء والفلاسفة ، فلم أجد عندهم ما يقنع ، فقد فسروها في الآية : على طريقته ، وطبيعته ، وخليقته ، وجديلته ، وناحيته ، وسجيته وأخلاقه ، ودينه ، ومذهبه . . الخ . وأصل الشاكلة في اللغة : الخاصرة . ( الصحاح : 5 / 1736 ) . بينما فسرها الإمام الصادق ( عليه السلام ) بشكل النية ، يعني أن شكل الفعل يطابق شكل نيته في النفس ، وصيغة الصفة المشبهة تعني أنها شكل استقرَّ في النفس . ومما يؤيد أن الفعل للروح بواسطة البدن ، التفريع عليه بقوله : فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى ، وأن آية الروح جاءت في سياقه . ولا مجال لتفصيله .